محمد محمد أبو موسى
355
البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية
القصر . أي انما يقدر على ذلك اللّه . ولم يقدر السكاكى فيه تقديما بل حمله على الابتداء دون تقدير التقديم ، كما هو أحد الاحتمالين اللذين ذكرهما في : أنا قمت ، فلا يفيد غير تقوى الحكم » « 155 » . فتلخص من كل ما ذكرنا أن التقديم مع همزة الاستفهام يكون لبيان المطلوب بمعناها ، ويكون أيضا لإفادة التقوى والتخصيص ، ولا تزاحم بين النكات ، الا أننا في تحليل هذه الصورة نهتم ببيان معنى الاستفهام أو التقرير ، وتوجهه إلى الفاعل أو المفعول ، لأن ذلك هو الأهم في الجملة . وقد يكون مناط الفائدة فيها ، وللعلامة سعد الدين ملاحظة دقيقة في هذه المسألة . فقد لحظ أن الانكار حين يتوجه إلى المفعول المقدم للاختصاص قد تظن أن القصد فيه انكار الاختصاص لأن الاختصاص قيد والانكار نفى ، والنفي انما يتوجه إلى القيد دون المقيد ، ثم أجاب عن هذا الوهم إجابة فيها كثير من التكلف » . يقول سعد الدين في شرحه للكشاف معلقا على قوله في آية : « أَ فَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ » « 156 » : « فان قلت : لو كان التقديم في الآيتين للاختصاص لكان مدلول الكلام انكار اختصاص الغير بالعبادة والربوبية ، وهو لا يفيد انكار الشركة بل ربما يفيد جوازها بناء على ما تقرر عندهم من أن النفي إذا أدخل في كلام فيه قيد توجه إلى القيد خاصة ، وأفاد ثبوت أصل الحكم . قلت : ذلك انما يكون إذا اعتبر القيد أولا ثم نفى ، وأما إذا اعتبر النفي أولا ثم قيد فلا ، والتعويل على القرائن ، فههنا اعتبر النفي والانكار ثم الاختصاص ، فكان لاختصاص الغير بالانكار ، بمعنى أن المنكر هو الأمر بعبادة الغير ، ألا ترى قولنا : ما زيدا ضربت ، وما أنا قلت هذا ، معناه : ولكني ضربت غيره ، وقلت أنا وغيرى ، وأن قوله تعالى : « وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ » « 157 » لتأكيد النفي لا لنفى التأكيد » « 158 » .
--> ( 155 ) عروس الأفراح في شروح التلخيص ج 2 ص 300 . ( 156 ) الزمر : 64 ( 157 ) البقرة : 8 ( 158 ) حاشية سعد الدين على الكشاف ورقة 16